الشيخ محمد حسين الحائري

345

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

التي تسالموا عليها من وجوب كل لطف عليه تعالى فلو تم ما ذكروه لدل على وجوب تطابق العقل والنقل لا عدم حجيته إلا أن يستكشف بعدمه عن فساد حكم العقل لكنه خلاف ما يراه المستدل لأنه يلتزم بصحته ولا يقول بحجيته أو يشترط الحكم في الكبرى بأن لا يمنع مانع لكن هذا ربما يقدح فيما قصدوه من وجوب الارسال وأجاب الفاضل المعاصر عن الحجة المذكورة بعد تسليم وجوب اللطف في الجملة بالمنع من وجوب كل لطف وأنت خبير بأن هذا المنع مما لا مساس له بكلام المستدل إذ لم يتمسك بوجوب اللطف مطلقا بل مبني حجيته على عدم وجوبه كذلك كما نبهنا عليه نعم يرد المنع المذكور وعلى كبرى حجية المتكلمين ويشبه أن يكون المجيب قد خلط بين الحجتين فأورد على إحداهما ما يرد على الأخرى لتقاربهما ويمكن التكلف بحمل الوجوب في كلامه على الوجوب الشرطي فيرجع الجواب إلى المنع من اشتراط حسن العقاب بحصول كل لطف ولا يخفى عدم مساعدة تعليله الآتي عليه ثم قال في سند المنع ما لفظه إذ كثير من الألطاف مندوبة فإن التكليفات المندوبة أيضا لطف في المندوبات العقلية أو مؤكدة للواجبات العقلية يعني أن التكليف الندبي بالمندوبات العقلية لطف مندوب وهذا متجه على القول بأن جهات التكليف تابعة لجهات ما تكلف به إذ لا يعقل حينئذ زيادة الفرع على الأصل وقوله أو مؤكدة مرفوع عطفا على قوله لطف يعني أن التكليف الندبي بالمندوبات العقلية مؤكد للواجبات العقلية وهذا قريب من ما ذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد في بيان نية وجه الوجوب والندب في الوضوء حيث قال المراد بوجه الوجوب والندب السبب الباعث على إيجاب الواجب وندب المندوب فهو على ما هو قرره جمهور العدليين من الامامية والمعتزلة أن السمعيات ألطاف في العقليات ومعناه أن الواجب السمعي مقرب من الواجب العقلي أي امتثاله باعث على امتثاله فإن من امتثل الواجبات السمعية كان أقرب إلى امتثال الواجبات العقلية من غيره ولا معنى للطف إلا ما يكون المكلف معه أقرب إلى الطاعة وكذا الندب السمعي مقرب من الندب العقلي أو مؤكدا لامتثال الواجب العقلي فهو زيادة في اللطف والزيادة في الواجب لا يمتنع أن يكون ندبا ولا نعني أن اللطف في العقليات منحصر في السمعيات فإن النبوة والإمامة ووجود العلماء والوعد والوعيد بل جميع الآلام تصلح للالطاف فيها وإنما هي نوع من الألطاف انتهى ثم قال المعاصر المذكور وقد يكتفي في اللطف بالتكليف بسمعي لم يستقل به العقل لا بنفس التكليف العقلي كما يشير إليه قوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر يعني قد يكلف بسمعي يؤدي إلى ترك القبائح العقلية فيستغنى بالتكليف به عن التكليف بها كالتكليف بالصلاة المؤدية إلى ترك القبائح فلا حاجة إلى التكليف بها أو يريد أنه قد يكلف بسمعي على وجه ينبه على وجوب ترك القبائح العقلية كالأمر بالصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر فإنه يدل بالالتزام على مطلوبية تركها بل وجوب تركها فلا حاجة إلى التصريح بذلك ولا يخفى ما في كلامه من التعقيد احتج من خص الانكار بغير المعارف على النفي بما مر وعلى الاثبات بما دل عليه جملة من الاخبار من تعذيب عبدة الأوثان فإنها بإطلاقها تشمل زمن الفترة أيضا فتدل على حجية مدركات العقل بالنسبة إلى العقائد وجوابه أن النسبة بين هذه الأخبار والأخبار السابقة التي زعم المستدل أنها تدل على عدم حجية العقل عموم من وجه فتخصيص عموم تلك الأخبار بإطلاق هذه ليس بأولى من تقيد إطلاق هذه بعموم تلك الأخبار مع أن كثيرا من الاخبار أيضا تدل على تعذيب الآتي ببعض المناكير وهي بإطلاقها يتناول زمن الفترة أيضا فلا وجه للتخصيص بالمعارف وأما ما أجاب به بعض المعاصرين من أن التعذيب على عبادة الأوثان يرجع إلى التعذيب على الأعمال النظرية الاختيارية المفيدة لتلك الاعتقادات لان نفس الاعتقاد غير مقدور فلا يترتب عذابه عليه فضعفه ظاهر إذ يكفي في صحة التكليف بشئ وترتب عقاب عليه مقدوريته ولو بواسطة مقدماته وأسبابه كما نبهنا عليه في بحث المقدمة ولئن سلم فلعل القائل المذكور يريد بترتب العقاب على تلك الاعتقادات ترتبها على مقدماتها من الأعمال النظرية ويمنع حجية العقل فيما عداها وليس في الجواب المذكور ما يقتضي دفعه حجة من فصل بين الضروريات والنظريات وجهان الأول ما دل من الاخبار على أن دين الله لا يصاب بالعقول وما دل على أن الناس مكلفون بالرجوع إلى الكتاب والسنة فإن ظاهرهما حصر الحجة فيهما والجواب أما أولا فبالنقض بالضروريات إذ لو تم الدليل المذكور لدل على عدم جواز التعويل عليها أيضا وأما ثانيا فبأن تلك الأخبار كلا أو بعضا واردة في مقام المنع عن العمل بالقياس كما يظهر من سياقها ولو سلم فهي واردة مورد الغالب من عدم وصول أغلب العقول وندرة ما يصل إليها الواصل الثاني أن المطالب النظرية كثيرا ما يقع فيها الاشتباه والخطأ وإن بالغ الناظر في المحافظة على مقدماتها كما يشهد به الوجدان فلا يحصل للناظر القطع بها لأنه كل ما رتب البراهين بمقدماتها المستلزمة للمطلوب منع نفسه من الانقياد لها والتسليم بمقتضاها علمه الاجمالي بكثرة وقوع الخطأ في النظر وإن الناظر كثيرا ما يقطع بالحكم بمشاهدة مقدمات معلومة عنده بالضرورة ثم ينكشف خلافه فيجوز أن يكون علمه بالحكم المستفاد من النظر من ذلك القبيل إذ لا يتمكن من التميز بحيث لا ينتقض بذلك اليقين الاجمالي وإذا تحقق عنده ذلك امتنع جزمه بالحكم والجواب أما أولا فبالنقض بالضروريات لوقوع الخطأ فيها أيضا كيف لا ومرجع النظريات إلى